أولوية المنهج الوصفي في الدراسة المصطلحية
عبدالحفيظ محمد الهاشمي* 

تمهيد:

أخذت الدراسة المصطلحية تستأثر باهتمام كبير من الباحثين والدارسين، بعدما أكدت حضورها على مستوى البحث العلمي والأكاديمي، فامتدت أفقيا وشملت مجموعة من الحقول المعرفية المرتبطة أساساً بعلوم الإنسان كما امتدت عموديا لتسبر أغوار هذه الحقول، وتقدم نتائج طليعية للوصول إلى حقائقها ودقائقها.

وليس من قبيل التقّول الادعاء أن دراسة المصطلح عودة إلى الواقع العلمي الصحيح، وكشف لغطاء الغفلة المعرفية التي شملت كثيراً من الدراسات والبحوث سنين عددا، كما أنه ليس من التزيد الحكم بمصداقية الدراسة المصطلحية في تقويم أولوية البحث العلمي.

وعليه فإننا من هذا المنطلق حريصون أن تجد هذه الدراسة وضعها الطبيعي وسبيلها الأمثل لتعطي أكثر وتحقق ما انتدبت همتها له.

في ضوء هذا التصور أتوخى التنبيه إلى خصوصية الدراسة المصطلحية عبر ما يحقق هدفها ويجنبها العثار، وذلك من خلال المنهج الكفيل بحل عقدها، وفك مغالقها، لأن مشكلة المنهج كما يقول الأستاذ الشاهد البوشيخي: "هي مشكلة أمتنا الأولى ولن يتم إقلاعنا العلمي ولا الحضاري إلا بعد الاهتداء في المنهج للتي هي أقوم، وبمقدار تفقهنا في المنهج ورشدنا فيه يكون مستوى انطلاقنا كماً وكيفا"(1)، ومنهج الدراسة المصطلحية لابد أن يتلاءم وخصوصيتها، ويتجانس مع مقوماتها، حتى لا تسقط النتائج ضحية التمحل والإجحاف.

يقول لانسون: "ليست هناك مناهج تصلح لكل شيء، وإنما هناك مبادئ عامة، وفيما عدا ذلك فكل مشكلة خاصة لا تحل إلا بمنهج خاص يوضع لها تبعاً لطبيعة وقائعها والصعوبات التي تثيرها"(2).

فما هو إذن منهج الدراسة المصطلحية؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، لابد من تحديد أولى لمصطلحي: المنهج والدراسة المصطلحية.

أولاً: تعريف المنهج:

من خلال تتبعنا للفظة "منهج" أو "منهاج" في المعاجم اللغوية القديمة(3)، نلاحظ أنها وردت أحياناً بمعنى الطريق(4)، وأخرى بإضافة الواضح أي الطريق الواضح(5)، وبهذا المعنى الأخير ترددت أيضاً في بعض معاجم الاصطلاح(6)، وهذا ما عناه رب العزة من خلال قولـه تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾(7)، "فالمنهاج هو الطريق الموصل للغاية ووضوحها وتمامها وكمالها"(8)، إلا أن مصطلح "المنهج" لم يظل حبيس هذا التعريف الفطري(9)، بل تجرد من بساطته بعد تطور العلوم والمعارف، وتداخل حقولها، وكذا بسبب الرغبة في تنويع الانتاجات المعرفية، والسمو بها إلى الدقة والموضوعية، فلبست حقيقته أكثر من ثوب، ومد نفوذه في أكثر من صوب، وبدأت مسؤولية تحديده ترهق كل كاهل، ومشروعية تطبيقه تحرج كل داخل، فتعددت له التعريفات، ومضت تلهث في حصر أدواته الاستعمالات، من ذلك ما أشار إليه حسن عبد الحميد عبد الرحمن مستفسراً في قول: "ما الذي نقصده على وجه التحديد – حين نستخدم لفظ "منهج" أو "منهجية"؟ هل المقصود هو مجموعة العلميات العقلية المنطقية من قياس شبه واستقراء واستنباط... الخ. تلك العمليات التي يلجأ إليها العقل البشري لاكتساب المعرفة والبرهنة على الحقيقة؟ أم المقصود مجموعة الوسائل والخطوات الإجرائية العملية التي ينتقل الباحـث بحسبها من مرحـلـة إلى أخرى خلال بحثه؟ وهذه الوسائل تختلف – بطبيعة الحال – من علم إلى آخـر، أم المقصود – أخيراً – "بالمنهج" الطريقة الخاصة بكل باحث في طرح وتناول المشكلات الموضوعة قيد البحث؟.."(10).

وبينما يتردد حسن عبد الحميد عبد الرحمن في الخروج بجواب من أسئلته الحائرة، تعمد منى عبد المنعم أبو الفضل إلى استلهام المعنى القديم معتبرة المنهاجية "علم بيان الطريق والوقوف على الخطوات أو الوسائط والوسائل التي يتحقق بها الوصول إلى الغاية على أفضل وأكمل ما تقتضيه الأصول والأحوال"(11)، ويجعله محمد السرياقوسي "بالتأكيد هو أقصر طريق معبد محدد المعالم يوصل إلى شيء مطلوب الوصول إليه على نحو أيقن وأسهل وأسرع"(12)، أما محمد سعيد البوطي فهوي يرى "المنهج ليس أكثر من ميزان يلجأ إليه الإنسان، في تقويم أفكاره، ابتغاء التأكد من صحة قراراته، وسلامتها من الشوائب والأخطاء"(13). وهكذا تنوعت التحديدات حتى أصبح معنى اصطلاح "المنهج" الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة التي تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة(14). ومن ثم أصبح العلم الذي يبحث في الطرق التي يستخدمها الباحثون لدراسة المشكلة والوصول إلى الحقيقة هو "علم المناهج"(15) وطبعاً "لا تصبح كلمة "منهج" عملية إلا إذا فهمناها مرتبطة بموضوع أو ظاهرة محددة"(16).

ثانياً: تعريف الدراسة المصطلحية:

إنها الدراسة التي تتخذ المصطلح موضوعاً لها، وتسعى إلى "ضبط المعرفة العلمية.. وإعادة صياغة النماذج اللغوية في أنساق دلالية وعلائقية"(17).

الدراسة التي تتوقف عند المصطلح في دقائق مكوناته وأصوله المرجعية لاستجلاء القصد منه لإزالة التباسه، الدراسة التي تمكن من الدخول الطبيعي إلى العلوم وفهمها فهماً سليماً ما أمكن الدراسة التي تستلزم فيما تستلزم أيضاً وجود على ضرورة استلزام الاسم للمسمى، وتكشف فيما تكشف عن الجهاز المصطلحي والرؤية الكامنة خلفه(18). الدراسة المصطلحية هي الدراسة التي تسعف في تذوق وفهم الجوانب الإبداعية في النص وتحدد درجته العلمية والفنية، وتقدم المحصلة النهائية في التعامل مع الأثر المدروس.. إنها "السبيل الأسلم الذي يؤهل للخوض في الأسس المعرفية للعلم والنظم في الجهات المحيطة به المغذية له، والتي عليها يعول في تأسيسه ووجوده"(19).

إنها باختصار الدراسة التي ترفع شعار الوضوح والدقة والضبط، وتلتزم به لحين رفع المتلبسات وحل الإشكالات المعترضة للفهم السليم، فتتبين قرائن الاستعمال المصطلحي بغير مواربة ولا احتيال... وتزيح الغموض الكثيف الذي يلف النصوص، بفعل تراكم المفهومات المتعددة التي يمكن أن تتحملها جراء الاستعمال المكثف لمصطلح ما على أوجه مختلفة..

من هذا المنطلق فإن البحث فيها لا يمكن أن يعتمد على الموهبة العلمية أو القدرة الواسعة على الإطلاع فحسب، وإنما لابد فيها من التزام بقواعد وضوابط منهجية خاصة قمينة بأن تبلغ بها غايتها في الفهم والتفسير والقدرة على توقع الظاهرات(20).

فما هو إذن منهج الدراسة المصطلحية؟

ثالثاً: منهج الدراسة المصطلحية:

رغم أننا لا نختلف مع الطاهر وعزيز في "أننا نعيش – كما قيل – مرحلة تعددية لا يستطيع فيها أي منهاج أن يزعم لنفسه السيادة والتفرد بأي مجال"(21)، لأنه "لم يعد من الممكن الإيمان بوجود منهاج قائم على مبادئ دائمة يلزم الخضوع لها قيما يتعلق بمسائل العلم"(22)، كما "أن المقاييس المنهجية ليست في مأمن من كل نقد إذ يمكن إعادة فحصها وتحسينها وتعويضها بأفضل منها"(23).

إلا أنه و"كمبدأ عام للتنهيج على الباحث أن يتبنى منهجاً أساسياً ويكمله إذا اقتضت الضرورة بمنهج أو منهجين آخرين بصفة تكميلية"(24)، وفي واقع الدراسة المصطلحية ما دام البحث في المصطلح في بدايته فإنه لا يمكن أن يتجاوز بحال من الأحوال المنهج الوصفي الذي يتيح إمكانية ضبط التعامل مع النص في إطار الحدود التي تنبثق من النص ذاته وليس من خارجه، وبناء عليه يؤدي إلى نتائج مرضية سواء على مستوى الكم أم الكيف، فهو من حيث الكم يكشف عن واقعية النص وأبعاده الدلالية المختلفة، وهو من حيث الكيف يؤطرنا في المجال المعرفي للنص(25).

وهذا ما يجرنا بدءً على تحديد وتعريف المنهج الوصفي كما هو في البحث العلمي.

أ – المنهج الوصفي:

يقول حسن عبد الحميد عبد الرحمن: "وأهم ما تتميز به المرحلة الوصفية، والتي هي المرحلة الأولى في تاريخ كل علم هو كونها مرحلة التراكم المعرفي الأولي، الذي تنطلق منه في بناء العلم"(26) ويقول أيضاً – والحديث دائماً عن المرحلة الوصفية -: "هي المرحلة الأولى في قيام أي علم، وفيها يقوم العقل البشري بوصف مختلف ظواهر العلم وموضوعاته بهدف تصنيفها في مجموعات متشابهة توطئة لوضعها موضع التجريب في المرحلة اللاحقة من تطور العلم.."(27).

المنهج الوصفي إذن خطوة أولى في يكل مجال معرفي يتأسس، لأن طبيعة الدراسات الوصفية أنها تكشف في معظمها عن ماهية الظاهرة والظواهر المختلفة، والمنهج الوصفي منهج عام يحوي أشكالاً من المنهاج الفرعية منها:

1 – منهج المسح:

الذي يعتبر واحداً من المناهج الأساسية فيه وهو عملية نتعرف بواسطتها على المعلومات الدقيقة المتعلقة بموضوع البحث، ويعتمد على تجميع البيانات والحقائق، وليس قاصراً على مجرد الوصول إلى الحقائق والحصول عليها.. ولكنه يمكن أن يؤدي إلى صياغة مبادئ هامة في المعرفة... كما يمكن أن يؤدي إلى حل للمشاكل العلمية، ويمكن من اكتشاف علاقات معينة بين مختلف الظواهر التي قد لا يستطيع الباحث الوصول إليها بدون مسح(28).

2 – منهج دراسة الحالة:

ويهتم بجميع الجوانب المتعلقة بالشيء المدروس، ويقوم على التعمق في دراسة المعلومات المرتبطة بمرحلة معينة من تاريخ حياته أو دراسة جميع المراحل التي مر بها، وتتضمن طريقته التحليل الشامل والدقيق لتطور ووضع الشيء المدروس، ويختلف هذا المنهج عن منهج المسح في أن دراسة الحالة تتطلب الفحص التفصيلي لعدد قليل وممثل من الحالات.. ولكن دراسة الحالة لا تتطلب – كما هو الحال في المسح – تجميع البيانات الكمية من عدد كبير من الحالات(29).

3 – منهج الإحصاء:

وهو الذي يزودنا بطريقة لتصنيف البيانات التي جمعت في دراسة ما، فالإحصاء كما يعرف كل باحث يتضمن شيئاً من الرياضيات، وإذا ما أخذت الرياضيات في الاعتبار بالطريقة المناسبة فإنها ستشكل لغة تشبه اللغة الإنجليزية أو الفرنسية.. (30) وعلى هذا فإننا نستطيع الحديث عن الإحصاء باعتباره لغة وصفية يهدف إلى تقرير درجة الدقة التي تبدو عليها البيانات والاستنتاجات الخاصة بدراسة ما. "وهناك وظيفة أخرى للإحصاء في البحث قد تكون أكثر قيمة، ألا وهي رسم استنتاجات عامة من البيانات من أجل تشكيل تعميمات يمكن الاعتماد عليها، ومن أجل اختيار صلاحية مثل هذه التعميمات"(32) كما أن الإحصاء لا يستطيع أن يكون في عون الباحث ودراسته، إذا كانت هذه الدراسة تعاني من الأخطاء الداخلية في تصميم البحث نفسه(33)، لكن "يجب أن نشير إلى أن الطرق الإحصائية تستخدم بفعالية عادة بالنسبة للمواد ذات الطبيعة الكمية.. وعلى ذلك فإن معرفة الإحصاء تكون مفيدة في منهج المسح ولكن الإحصاء مهم بالنسبة لمناهج البحث الأخرى كذلك"(34)، وعلى كل حال يقول أحمد بدر: "إن استخدام الحسابات الإحصائية، تجعلنا نقرر باطمئنان قبول النتائج المبنية على البيانات المجمعة أو القيام بمحاولات أخرى في للوصول إلى نتائج نهائية قاطعة"(35).

4 – الوصف المستمر على مدى فترة طويلة:

وهي دراسة تتبعية لمراحل معينة من النمو أو التطور.

5 – المنهج التحليلي:

ويتبنى كقدرة لشرح أغلب العلوم الخاصة به، وهي التي تعتمد على قواعد أو أنسقة محددة ترتكز عليها في التحليل كالعلوم القانونية واللغوية والاقتصادية(36)، ويعطي أولية للقواعد والأنسقة التي يحلل في ضوئها شارحاً لها أولاً، ثم يحدد في باب تالي الظاهرة أو القضية موضع البحث حجماً وأبعاداً، وينتهي بمقارنة بين القضية موضوع البحث أو الظاهرة، وبين القاعدة أو التنسيق، ليحقق الهدف الذي من أجله يبحث(37)، غير أن المنهج يمكن أيضاً أن يشكل بذاته جهازاً مستقلاً ضابطاً للبحث بشروطه وأدواته سواء بمعية مناهج أخرى مكملة أم بإمكانياته الخاصة.

إن هذه المناهج بطبيعتها تتكامل متعددة ومتنوعة على أساس أن يكون هناك منهج مساند في التصور العام لمخطط البحث تصميمه(38).

فالمنهج الوصفي بعد هذا الاستعراض المقتضب لبعض فروعه "يعتمد على تجميع الحقائق والمعلومات، ثم مقارنتها وتحليلها وتفسيرها للوصول إلى تعميمات مقبولة(39).

ب – واقع المنهج الوصفي في الدراسة المصطلحية:

وصفيته تتجلى في كشفه أو في محاولة كشفه عن المراد من المصطلحات في المتن المدروس أو المتون المدروسة في فترة زمنية بعينها ليست ذات امتداد تاريخي، أما إذا وجد الامتداد التاريخي فإنه لا بد أن يصحب المنهج الوصفي المنهج التاريخي، لأن المصطلح قطعاً سيكون خضع لضرب من التطور، إما في الدلالة وإما في الاستعمال، اتساعاً وضيقاً ومشتقات... الخ، وهذا المنهج لا يمنع صاحبه من أن يقارن بين الدلالات للألفاظ في المؤلف نفسه أو في المؤلفات التي لكاتب مثلاً، أو بين الاستعمال الذي استعمل لدى الشخصية المدروسة، والاستعمال الذي استعمل به لدى غيره لكن ينبغي أن تكون البؤرة دائماً هي الدلالة الاصطلاحية للمصطلح في المتن المدروس أو لدى الشخصية المدروسة، هذه هي البؤرة وما سواها من الهوامش يكون في الهامش، ويكون بقدر خدمته للموضوع المدروس لا لأنه هدف في ذاته إذ مرحلة المقارنات تأتي بعد، والمنهج المقارن في الدراسة بين الدلالات يراد به أساساً مقارنة الدلالة في الحقل المعرفي المدروس كالنقد العربي مثلاً، وغير النقد العربي فهو إذن مرحلة تأتي بعد المرحلة الوصفية والمرحلة التاريخية، أما المقارنات داخل النقد العربي لا ندخلها ضمن المنهج المقارن.

الوصفية أيضاً لا تعارض ولا ينبغي أن تعارض التوقف عند تحقيق بعض النصوص، أو نقد بعض النصوص أو التاريخ لبعض الدلالات التي النصوص نفسها الموجودة في الكتاب تسمح بها، مثلاً الكتاب في بداية القرن الرابع، لكن لنفرض أن فيه نصوصاً تعود إلى القرن الثالث ونصوصاً إلى القرن الثاني ونصوصاً إلى القرن الأول وأخرى استعملت في العصر الجاهلي استعملت بعض المصطلحات، وإن كان قد ظهر ضرب من التطور في دلالة المصطلح عبر هذه النصوص إذا صنفت ضمن الكتاب فينبغي تسجيلها في الواقع من باب الأمانة في وصف المصطلح داخل الكتاب نفسه.

الدراسة المصطلحية للمصطلح تعني أنها تكوين بطاقة هوية للمصطلح داخل المؤلف، أي أنها تعنى بتشخيص وبلورة وبيان وتوضيح كل ما له صلة بالمصطلح في ذلك الكتاب من أي جهة، وهنا تنطرح العلاقة التي للمصطلح، وتنطرح الخصائص، علاقات الائتلاف، وعلاقات الاختلاف، المصطلح ضد المصطلح الفلاني، المصطلح بينه وبين الآخر عموم وخصوص مطلق، بينه وبين المصطلح الفلاني تقاطع من وجه عموم وخصوص من وجه.. إلخ.

كذلك الخصائص التي هي صفات معينة أو أحكام معينة خاصة بهذا المصطلح لا نجدها في المصطلح الآخر تميزه عن نظيره سواء التميز في الدلالة أو في الاستعمال، كذلك ما استعمل من مشتقات من المادة، وضمائم في المصطلح الواحد في المستعمل الواحد من المادة، أي كيف تركب سواء الضميمة الوصفية أم الضميمة الإضافية أم الضميمة الإسنادية، أم أي نوع من أنواع الضمائم؟

أيضاً أشكال التركيب التي ركب عليها المصطلح وظهرت واستعملت استعمالاً اصطلاحياً كل هذا أيضاً داخل في بيان بطاقة الهوية للمصطلح وداخل في الدراسة الوصفية وفي الدراسة المصطلحية للمصطلح.

إن أهمية المنهج الوصفي في الدراسة المصطلحية تتجلى في الكشف عن الواقع المصطلحي في المتن المدروس، والكشف عن الواقع الدلالي والمعنوي لهذه المصطلحات في جانبه الجزئي والكلي، ومن شأن دراسة كهذه أن تحقق للمصطلح ضمن متن محدد جملة من النتائج الإيجابية أهمها:

1 – ضبط عناصر المتن المدروس بطريقة علمية أو اقرب بكثير إلى العملية والموضوعية، وذلك لكونها تستند في الأساس على الاستقرار والاستقصاء دون إغفال شارد أو نافر إلا ما لا غناء فيه ولا فائدة أو سها عنه الفكر وأخطأه النظر.

2 – ضبط العلاقات التركيبية القائمة بين العناصر المصطلحية المحصاة، مع التركيز خاصة على علاقات التضاد والترادف، والتقابل والتناظر، والعموم والخصوص، والاقتران والتعاطف والإطلاق والإضافة... إلخ. ومن شأن هذه العلاقات المختلفة أن تساعد على بلورة فكر بنيوي ونسقي ينظر إلى المصطلح في كل مظاهره، وعلاقاته، معتبراً المعجم كالمادة الواحدة، والمادة كالمصطلح الواحد، وفي ذلك من التكثيف والتدقيق ما فيه.

3 – ضبط الدلالات المستنبطة من خلال التتبع الدقيق لجزئياتها ومراعاة سياقاتها النصية، الشيء الذي يساعد على استخلاص أحكام تقريرية تنعت المصطلحات والقضايا استناداً إلى حقائقها الوجودية والواقعية.

4 – ضبط عملية المقارنة بين المصطلحات والنصوص من خلال:

أ – المقارنة الداخلية النصية.

ب – المقارنة الخارجية بين بعض نصوص المتن المدروس ومصادرها الأولى على مستوى التوثيق ومراعاة السياق النصي في المتنين معاً، والتركيز بالأساس على متن الكتاب المدروس، إلا عند الضرورة القصوى، كأن يكون النص غامضاً في هذا الأخير، فيعمد إلى أصله لرفع غموضه أو التباسه(39).

وبعد هذا وبه يستطيع الباحث تكوين بطاقة هوية عن كل مصطلح من المصطلحات المدروسة بشكل يحدد عناصره ويجلي مجالاته، ويكشف أحواله ومواصفاته وخصائصه في نسق نصي واحد، دون الانسياق مع الفكر أو المنهج التاريخي الذي لم يحن أوانه، لأن المنهج التاريخي طريقة بحث نعني بها "تبنٍ مبسط لحركة التاريخ في كل الظواهر الإنسانية والطبيعية، ونعني بحركة التاريخ: الثلاثية التي يمكن أن نبسطها من باب التقريب في تساؤلات ثلاثة مرحلية: كيف نشأ؟ كيف تطور؟ كيف آل؟ بمعنى أي ظاهرة تخضع في بحثها للمراحل الثلاث، كيف نشأت الظاهرة ثم كيف تطورت، ثم كيف آلت، أي ما هي النتائج والآثار التي ترتبت عليها؟(40).

ولا يمكن البدء به"(منهجيا) لأن رصد التطورات يقتضي عقلاً العلم بالمتطور في كل خطوة من تلك الخطى، بل لكل مكون من مكوناتها مؤلفاً أو مؤلفاً، فهل فعل ذلك قبل التاريخ للمصطلحات؟"(41)، و"(علمياً) لأن تلك الدراسات وذلك الرصد للتطورات لن تكون نتائجه علمية بالمعنى الصحيح للكلمة، إلا إذا استوفى شروط الدراسة العلمية وأولها – لا شك – الاستيعاب التام للمادة، ولا سبيل إليه هنا بغير الإحصاء"(42). فالإحصاء يمدنا بوسيلة فعالة لوصف البيانات والمعلومات التي تجمعت أثناء الدراسة، هذا وتصف البيانات الإحصائية سلوك المصطلحات أو صفات المصطلحات وذلك بناء على دراسة محددة من الحالات السياقية ويمكن الوصول إلى التعميمات عن طريق تجميع الملاحظات والقياسات لعدد من تلك الحالات.

خاتمة:

يقول الأستاذ الشاهد البوشيخي: "فهل فهرست فعلاً جميع أماكن ذكر المصطلح، في جميع المصادر، ولدى جميع المؤلفين، وعبر جميع القرون؟ ثم إن فهرست بإحصاء آمين فهل خضع كل نص فيها للتحليل والتعليل اللازمين؟ وهل تم تركيب الصور الكلية لتاريخ كل مصطلح؟ إن المنهج التاريخي في دراسة المصطلحات مهم جداً إذا جاء في إبانه وبشروطه وإلا فلا سبيل منهجياً وعلمياً إلى اعتماد نتائجه"(43).

 

*********************

مراجع البحث

§          القرآن الكريم.

§          "أساس البلاغة" للزمخشري، تحقيق:عبدالرحيم محمود، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، 1399هـ/1979م.

§          "اصول البحث العلمي ومناهجه": أحمد بدر، ط/4-1984م، نشر وكالة المطبوعات بالكويت، توزيع دار القلم، بيروت لبنان.

§          "البحث العلمي مناهجه وتقنياته": محمد زيان عمر، دار الشروق، جدة 1410هـ /1981م.

§    حوليات كلية الآداب، جامعة الكويت، الحولية الثامنة: الرسالة الرابعة والأربعون، 1407 – 1408هـ/1986 – 1987م. "المراحل الارتقائية لمنهجية الفكر العربي الإسلامي (المنهج في النسق الفقهي الإسلامي)" حسن عبد الحميد عبدالرحمن.

§    "في المنهجية والحوار" (من سلسلة إسلاميات) " رشدي فكار، ط/2-1983م مطبعة أكدال، الرباط، توزيع مكتبة وهبة بالقاهرة، والمشعل بالمغرب.

§    "الكليات: معجم في المصطلحات والفروق اللغوية": للكفوي، قابله على نسخة خطية وأعده للطبع ووضع فهارسه: عدنان درويش ومحمد المصري ط/1-1412هـ/1992م، مؤسسة الرسالة بيروت.

§    مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، عدد خاص: 4، السنة 1409هـ/1988م ندوة: "المصطلح النقدي وعلاقته بمختلف العلوم".

§    "مختار الصحاح": للرازي، عني بترتيبه: محمود خاطر بك، راجعته وحققته: لجنة من علماء العربية. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان 1401هـ/1981م.

§    "مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين، قضايا ونماذج": الشاهد البوشيخي ط/1-1413هـ/1993م، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، توزيع مطبعة القلم.

§    "المصطلح النحوي في كتاب سيبويه: دراسة نموذجية": عبدالعزيز احميد، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، العام الجامعي: 1990-1991 (بحث مرقون).

§    المصطلح النقدي في كتاب: (البرهان في وجوه البيان) لابن وهيب الكاتب": عبد الحفيظ الهاشمي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، العام الجامعي:1989-1990م (بحث مرقون).

§    "المصطلح النقدي في كتاب (العمدة) لابن رشيق القيرواني": محمد امهاوش، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، العام الجامعي 1991-1992م (بحث مرقون).

§    "معجم مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني، تحقيق وضبط: نديم مرعشلي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان.

§    "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس، تحقيق وضبط: عبدالسلام هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان 1399هـ/1979م.

§          "مناهج البحث العلمي" عبدالرحمن بدوي، ط/3-1977م، نشر وكالة المطبوعات بالكويت.

§          "المناهج المعاصرة في الدراسة الأدبية، دراسة نقدية لإشكالية المنهج" سمير حجازي.

§          "منهج البحث في الأدب واللغة": لانسون وماييه، ترجمة محمد مندور، ط/3 فبراير 1989م، دار العلم للملايين، بيروت لبنان.

§          "المنهج الرياضي بين المنطق والحدس": محمد السرياقوسي، دار الثقافة للطبع والنشر بالقاهرة 1982م.

§    "المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية" عبد الله العروي، عبد الحق كيليطو، ع. الفاسي، محمد عابد الجابري، ط/1-1986م، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء.

§    "نحو منهجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمعوقات": منى عبد المنعم أبو الفضل. الطبعة الأولى 1417هـ/1996م، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة سلسلة المنهجية الإسلامية 13.

**********

الهوامش

(*) أكاديمي وباحث من المملكة المغربية.

(1)      "مشكلة المنهج في دراسة مصطلح النقد العربي القديم"، مجلة كلية الآداب بفاس، عدد خاص 4-1409 –1988م، أيضاً "مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين" ص21.

(2)             "منهج البحث في اللغة والأدب" لانسون وماييه، ص81.

(3)             مق، أ، مخ، مص مادة (نهج).

(4)             كما في: مق: مادة (نهج).

(5)             كما في: مخ ومص مادة (نهج).

(6)             ن: كل. ص524 ومقف. ص528.

(7)             سورة المائدة، آية:50.

(8)      "نحو منهاج للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمعوقات". منى عبد المنعم أبو الفضل المنهجية الإسلامية والعلوم السلوكية والتربوية ص180.

(9)             الفطري هنا بمعنى الخالص البسيط.

(10)    "المراحل الارتقائية لمنهجية الفكر العربي الإسلامي" حوليا كلية الآداب بالكويت – الحولية: 8 الرسالة: 44 ص 11، ن: كذلك بعض التعريفات التي أوردها عمر محمد الطالب في كتابه "منهاج الدراسات الأدبية الحديثة" ص 12.

(11)        "نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي"...ص: 181.

(12)        "المنهج الرياضي بين المنطق والحدس"، ص 13.

(13)        "أزمة المعرفة وعلاجها في حياتنا الفكرية المعاصرة"، ضمن المنهجية الإسلامية والعلوم السلوكية والتربوية ص57.

(14)        "منهج البحث العلمي"، عبدالرحمن بدوي، ص5.

(15)    "أصول البحث العلمي ومناهجه"، أحمد بدر ص 26، "عرف ديكارت المنهج بأنه مجموعة القواعد المؤكدة والسهلة التي تمنع مراعاتها الدقيقة المرء من أن يفترض صدق ما هو كاذب وتجعل العقل يصل إلى معرفة حقه بجميع الأشياء التي يستطيع الوصول إليها بدون أن يبذل مجهودات غير نافعة" ن: "المنهج الرياضي بين المنطق والحدس"، ص13.

(16)        "المناهج المعاصرة للدراسات الأدبية دراسة نقدية لإشكالية المنهج"، سمير حجازي، ج1 ص6.

(17)        المصطلح النقدي في كتاب "العمدة" لابن رشيق القيرواني، محمد امهاوش، ص4-5.

(18)        "مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهلين والإسلاميين"، ص10.

(19)        "المصطلح النحوي في كتاب سيبويه دراسة نموذجية" عبدالعزيز احميد، ص23.

(20)        "المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية" – تقديم الطاهر وعزيز، ص5.

(21)        المرجع السابق، ص5

(22)        السابق، ص5

(23)        "المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية"، ص5.

(24)        "في المنهجية والحوار" رشدي فكار، ص47.

(25)        المصطلح النقدي في كتاب "البرهان في وجوه البيان" لابن وهب الكاتب عبد الحفيظ الهاشمي – ص6.

(26)    المراح الارتقائية المنهجية الفكر العربي الإسلامي... حوليات كلية الآداب بالكويت، الحولية: 8، الرسالة،44، ص21-22.

(27)        المرجع السابق، ص12-13.

(28)        "اصول البحث العلمي ومناهجه" ص317-318.

(29)        المرجع السابق، ص247.

(30)        "البحث العلمي مناهجه وتقنياته" ص 317-318.

(31)        المرجع نفسه، ص335.

(32)        أصول البحث العلمي ومناهجه، ص319.

(33)        المرجع السابق، ص 297-298.

(34)        السابق، ص315.

(35)        "في المنهجية والحوار"، ص92

(36)        المرجع السابق، ص51.

(37)        "في المنهجية والحوار"، ص42

(38)        "أصول البحث العلمي ومناهجه"، ص182.

(39)        "المصطلح النقدي في كتاب العمدة لابن رشيق"، ص14.

(40)        "في المنهجية والحوار" ص24.

(41)        "مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين"، ص27-28.

(42)        المصدر السابق، ص28.

السابق، ص28.